في ساحة تيرو القلب النابض لمدينة بيلي الهادئة شرق فرنسا، كان يقف مبنى عتيق تتصاعد من نوافذه رائحة الطعام، وتتدفق من بابه أصوات الزبائن وأحاديثهم في مطلع الفجر وعلى امتداد النهار. كانت عائلة بير ساج، مدرب فريق لانس الأول لكرة القدم، تدير مقهى البلدة العريق، الذي توارثه أهل المدينة جيلًا بعد جيل، حتى بات جزءًا من روحها، لا يُفصل عنها. والده برنار ساج، صاحب المقهى ومديره، رجلٌ من أبناء المنطقة عرف كيف يُدير مطبخه وزبائنه بيدٍ واحدة وعين مفتوحة على كلّ من يدخل ويخرج، فيما كانت أمّ بيير تعمل إلى جانبه في ذلك المكان، الذي لا تتوقّف دورته من الصباح الباكر حتى ساعات المساء، وكانت طبيعة العمل هذه تأخذ من وقتها كلّ ما لديها، ولا تُبقي لها في أيام الأسبوع إلا القليل، وهو ما يستحضره ساج اليوم بحسرة غير مخفية حين يقول: «النادي ربّما هو المكان الذي عشت فيه أكثر المواقف عاطفيةً مع أمّي، لأن مهنتها لم تكن تتيح لها منحي وقتًا كافيًا في أيام الأسبوع، هذه اللحظات أشتاق إليها كثيرًا»، فالملعب كان موعدهما الوحيد الثابت، تتركُ فيه المقهى خلفها وتصبح أمًّا بالكامل تتابع صبيًا يركض خلف كرة أكبر منه بكثير. وُلد بيير ساج في الخامس من مايو عام 1979 في مدينة لون-لو-سونييه في إقليم جورا، ولم يبلغ الرابعة من عمره حتى انتقلت العائلة إلى بيلي في إقليم آن المجاور، حيث قضى أعوام تكوينه في منطقة بوجي، مدينة صغيرة تعرف أسماء أبنائها عن ظهر قلب، ويعرف أبناؤها بعضهم بعضًا بالوجه والاسم والعائلة والمهنة، وكانت ساحة تيرو بمقهاها وأصواتها مركز ثقل هذا العالم الصغير. حين بلغ الخامسة عشرة بدأ يُدرّب صغار النادي إلى جانب ممارسته اللعب، حارسٌ هاوٍ بقفّازاته على الخطّ وعينه على الملعب كلّه، يرى ما لا يراه اللاعبون لأنه خلفهم جميعًا، وبدأ يسأل السؤال الذي سيبقى يلاحقه عقودًا: كيف يتنسّق اللاعبون في ما بينهم في أعلى المستويات؟ لم تكن عنده إجابة وقتها، لكنّه كان يجمع الأسئلة بدلًا من أن يكتفي بما يراه أمامه، وهذا وحده ما يُفرّق بين من يلعب الكرة ومن يفهمها. «لم أكن لاعبًا جيدًا جدًا، ولا كنت حارسًا جيدًا جدًا، لكنّني كنت عاشقًا حقيقيًا»، يقولها ساج بلا مواربة. في غرف الريد ستار وجد ساج ما بحث عنه طويلًا، رجلًا يُدير الملعب بعقلٍ مفتوح اسمه حبيب بيّ، وقبل أن يوقّع انضمامه مساعدًا، أعدّ ساج ثلاثة أسئلة حدّد بها مستق