أخيرا.. كأس الخليج ترضخ
لم يكن من المنطقي، ولا المقبول في أعراف المستديرة، أن يعبر المنتخب السعودي قارات العالم ليصعق بلجيكا ويزاحم الكبار في ثمن نهائي مونديال أمريكا 1994، ثم يعود ليعجز عن ترويض بطولة إقليمية في جواره الجغرافي. كانت كأس الخليج بمثابة العقدة النفسية الأزلية، التي استعصت على أجيال كروية متعاقبة، وانتظر الشارع الرياضي السعودي 24 عامًا كاملة، و11 نسخة من الإحباط المرير، ليُعلن أخيرًا وتحديدًا من أبوظبي في «خليجي 12»، كسر النحس واعتلاء العرش الخليجي بتسع نقاط صبغت الكأس أخيرًا باللون الأخضر. تلك النسخة لم تكن مجرد بطولة، بل كانت استعادة للهيبة، تقاسم قائد الكتيبة فؤاد أنور صدارة الهدافين مع المهاجم القطري الراحل محمود صوفي بأربعة أهداف لكل منهما، في ليلة شهدت استبسال الحارس الإماراتي المخضرم محسن مصبح، الذي نال بدوره جائزة أفضل حارس في الدورة. المفارقة الكبرى في هذا المنجز التاريخي، أنه جاء بأقدام وعقلية وطنية، فحين عجز 11 مدربًا أجنبيًا تعاقبوا على المقعد الفني طوال ربع قرن عن حل الشفرة الخليجية، نجح محمد الخراشي في تفكيك العقدة. الخراشي، الذي كان خبيرًا بسيكولوجية اللاعب السعودي ودهاليز الضغط النفسي للدورة، يعي تمامًا كم هي ثقيلة تركة أسلافه، وهو الذي شهد تاريخيًا كيف حرك الاتحاد السعودي أوراقه الوطنية حين حل خليل الزياني بديلًا للبرازيلي زاجالو لإنقاذ الموقف في نسخة 1984. رسم الخراشي تكتيكًا صارمًا عصبُه التوازن الدفاعي والكثافة البدنية الصارمة في خط المنتصف، ممتصًا بانضباط تكتيكي حديدي بأسلوب الكرات الطولية والاندفاع العنيف الذي تميزت به بقية المنتخبات الخليجية. وضمت تشكيلة الأبطال في تلك الدورة التاريخية جيل العمالقة الاستثنائي، يتقدمهم الأسطورة محمد الدعيع حاميًا للعرين، وضابط الإيقاع فؤاد أنور، مع سعيد العويران، وسامي الجابر، وفهد المهلل، لتتحول المجموعة إلى آلة متكاملة لم تفتنها الضغوط. زلزال غرف الملابس سار قطار الأخضر بثبات، فاستهل مشواره بالفوز على عُمان 2ـ1، ثم تعادل مع المستضيف الإمارات 1ـ1، قبل أن يكتسح البحرين بثلاثية نظيفة، ويتجاوز قطر 2ـ1. وقبل موقعة البحرين المنعطف الأبرز، استدعى الخراشي ثلاثي الوسط أنور ومسعد والعويران، طالبًا مرئياتهم لغلق المساحات، وبشهادة المدافع صالح الداود، سهر اللاعبون حتى الفجر يشرّحون شريط فيديو الخصم، لينزلوا مساءً بخطةٍ صاغوها بأنف